الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
70
تفسير روح البيان
وطرده عنه بكرم اللّه تعالى ولو كان عمله القبيح أقوى لغلب عليه وافزعه وعذب : قال السعدي غم وشادمانى نماند وليك * جزاى عمل ماند ونام نيك مكن تكيه بر ملك وجاه وحشم * كه پيش از تو بودست وبعد از تو هم قال القشيري وَلَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى اى دخلتم الدنيا بخرقة وخرجتم منها بخرقة ألا وتلك الخرقة أيضا لبسه وما دخلت الا بوصف التجرد وما خرجت الا بحكم التجرد ثم الأثقال والأوزار والأعمال والأوصال لا يأتي عليها حصر ولا مقدار فلا مالكم اغنى ولا حالكم يدفع عنكم ولا شفيع يخاطبنا فيكم ولقد تفرق وصلكم وتبدد شملكم وتلاشى ظنكم وخاب سعيكم انتهى كلام القشيري والإشارة ان المجيء إلى اللّه يكون بالتجرد ثم بالتفريد ثم بالتوحيد فالتجريد هو التجرد عن الدنيا وما يتعلق يها . والتفريد هو التفرد عن الدنيا والآخرة رجوعا إلى اللّه خاليا عن التعلق بهما كما كان في بدء الخلقة روحا مجردا عن تعلقات الكونين كقوله لَقَدْ جِئْتُمُونا فُرادى كَما خَلَقْناكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ يعنى أول خلقة الروح قبل تعلقه بالقالب فإنه خلقة ثانية كما قال ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ وقال وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ فللعبد في السير إلى اللّه كسب وسعى بالتجريد والتفريد عن الدنيا والآخرة كما قال وَتَرَكْتُمْ ما خَوَّلْناكُمْ وَراءَ ظُهُورِكُمْ يعنى من تعلقات الكونين وَما نَرى مَعَكُمْ شُفَعاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكاءُ يعنى الأعمال والأحوال التي ظننتم انها توصلكم إلى اللّه تعالى لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وبينها عند انتهاء سيركم وَضَلَّ عَنْكُمْ ما كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ انها توصلكم إلى اللّه فإذا وصل العبد إلى سرادقات العزة انتهى سيره كما انتهى سير جبرائيل ليلة المعراج عند سدرة المنتهى وهو منتهى سير السائرين من الملك والانس والتوحيد هو التوحد لقبول فيض الوحدانية عن التجلي بصفات الواحدية لتوصل العبد بجذبة ارجعي إلى ربك إلى مقام الوحدة ولو لم تدركه العناية الأزلية بجذبات الربوبية لا نقطع عن السير في اللّه باللّه وبقي في السدرة وهو يقول وما منا الا له مقام معلوم فافهم كذا في التأويلات النجمية إِنَّ اللَّهَ فالِقُ الْحَبِّ الفلق الشق بإبانة . والحب جمع حبة وهي اسم لجميع البزور المقصودة بذواتها كالبر والشعير والذرة ونحوها والمعنى شاق الحب بالنبات اى يشق الحبة اليابسة فيخرج منها ورق اخضر وَالنَّوى واحدتها نواة وهي الشيء الموجود في داخل الثمر مثل نواة الخوج والمشمش والتمر ونحوها والمعنى شاق النوى بالشجر اى يشق النواة الصلبة فيخرج شجرة ذات أوراق وأغصان يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ بيان لما قبله اى يخرج ما ينمو من الحيوان والنبات مما لا ينمو من النطفة والحب وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ كالنطفة والحب مِنَ الْحَيِّ كالحيوان والنبات وهو معطوف على فالق الحب فالحي والميت مجاز عن النامي والجامد تشبيها للنامى بالحي والحي حقيقة فيما يكون موصوفا بالحياة المستتبعة للحس والحركة الإرادية والميت حقيقة فيما يكون خاليا عن صفة الحياة ممن تكون الحياة من شأنه ومنهم من حمل اللفظ على الحقيقة وقال يخرج من النطفة الميتة بشرا حيا ومن الدجاجة بيضة ميتة قال ابن عباس رضى اللّه عنهما يخرج المؤمن من الكافر كما في حق إبراهيم عليه السلام والكافر من المؤمن كما في حق ولد نوح عليه السلام والعاصي من المطيع وبالعكس والعالم من